يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

181

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

الكلمات المتقدّمات ، فاستغرب ذلك وقال : لا يقدر في هذا الزمان أحد على مثل هذا ، فأخذت تبنة من الأرض فصحفتها على ستة وسبعين مرّة ولم أغيّر شكلها غير أنها منثورة دون وزن ، ثم إني وصلت منها في شطر واحد ست عشرة لفظة تقرؤها متصلة يكون لها معنى آخذ من الحسن بطرف مثل الذي لابن شرف ، ومثال ذلك : ( نبيه تنبه بنية بنية تبنة تنبه بنيه بثنة بنية ) ، والنبية هنا البعد ، وكذلك فكذلك إلى آخر الكلمات ، ثم إني نظمت منها بيتين اثنين موزونين ، وقد تقدّم ذكر هذا في أوّل الكتاب ، وكذا فعلت معهم في هجاء يرملون الأحرف الستة صحفتها وقلبتها خمسين مرّة لكن على غير شكل هذه اللفظة ، على أنواع من العكس والقلب ، مثال ذلك : أنّ معكوس يرملون ( نول مري ) ، ومقلوبه ( لون مري ولوني مرّ ونيل مرو وولي نمر ونميرول ) وكذلك فكذلك إلى آخر العدد ، وقد جمعت هذه الكلمات وأضفت إليها الشعر الملغز به المتقدّم الذكر في ألفاظ التبنة المذكورة ، وما كان من هذا الجنس وما أجاب عليه بعض من رآه فجاء من جميعها كراسة كبيرة وضمنتها كتاب التكميل المذكور ، فانظرها هناك فهو فيها مسطور ، وقد تقدّم ذكرها أيضا . وإنما ذكرت هذا لتعلم أن هذا اللسان العربي عجب من عجائب اللّه ليس لأحد من الأمم ما للعرب من ذلك ، وسأمثل لك من هذا النوع هنا شيئا تستدلّ به ، فخذها فائدة زائدة تريد أذكرها لك ، أي فل فل ، أي : قل ، فإن قلت لي كذا أقل لك نعم دامت لك النعم ، ها أنا ذا أجيب بالأمر العجيب ، ولا أزيدك أي فل على فل قل ، فأقول ندائي إياك فل ، وأمرك لي قل ، إذا جمعتهما جاء منهما فل قل كلام له معنى ، فأوّل ما أبدأ بالفاء إذا كتبت لك ما شكله ( ف ) بلا ضبط ولا نقط وقيل لك تكلم على هذا الشكل ؛ علمت بصورته أنه ليس بألف ولا دال ولا غير ذلك ، فلم يحتمل إلا أن يكون فاء أو قافا ، وأقرب ما تقول فيه فاء ، لأن القاف لا تكون على هذا الشكل منفردا فتقول فيها فا ، وتقول فيها ما قلته في العين والغين المتقدّمتين من أنها تدل على العدد المعلوم في أبي جاد ، فإن كستها فقلت : ف ، رجعت أمرا من وفا يفي ، وجاء منها في الحديث على هيئة صورتها في التهجي ما خرّج مسلم قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في صفة الدجال : مكتوب بين عينيه ( ك ف ر ) ، أي : كافر . وفي رواية أخرى : مكتوب بين عينيه كافر ، ثم تهجاها ك ف ر يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب . وجاء في فضائل عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه عن الليث بن سعد أنّ رجلا رأى في المنام مناديا ينادي من السماء : جاءكم اللين والدين والعمل الصالح في المصلين ، فقال الناس : من ؟ فنزل المنادي من السماء حتى كتب في الأرض ( ع م ر )